Sunday, February 19, 2012

قصة || احتفال الخـدمـ !



  
احتفالاتهم لم تُزعجها على الإطلاق، ما أزعجها كان رائحتهم، العرق المُختلط بدُخانِ التبغ وبارود الانتصار ــ بدت كزهرة يتيمة في بُستانٍ خالص من الطين، لكنها كانت مُجبرة على التواجد، هُنا وسط احتفالِ الخدم.

الخدم لا يقتلون الأطفال، الخدم يرعون الأطفال، لا يقدمونهم أضحية مع ذويهم (أسياد الخدم)... ولأنها الطفلة الوحيدة الباقية في المدينة ولم تُهجّر للخارج، فقد رأوْا أن لا ضير من تركِها تنجو الآن تحيا الاحتفال، غدًا وسطهم، وبعد الغدِ أمةً لهم ــ فُرصة قلبِ الآية.

لمّا حملوها على الأعناق، طافوا بها احتفالاً... بينما أبصرت هي –بفضلِ الارتفاع- السُلم الخارجيّ لمنزلهم، سُلم حلزونيّ طويل يُجهد مُتسلقه ذُلاً ــ الخدم هم من يتسلقون السُلم، حُفاةً عُراة.

احتفالاتهم لم تُزعجها، بالعكسِ استمتعت بمُشاهدةِ الخمر والسُطّل والرقص، وتساقطهم أكوامًا من اللحم... ذابت بينهم بسهولة، إلى الُسلم، انسابت داخله صعودًا بجسدٍ ضئيل سهّل المُهمة.
حتى أدركت النافذة المُميزة لغُرفتِها، اخترقتها، وسمحت لها النافذة بالعبور، فالنافذة مُبرمجة، لها مُستشعراتٍ دقيقة لرائحتها ــ شمّت ملابسها، عرق الطفولة الفتيّ مُختلطٌ برائحةِ النبيذ ــ قفزت داخل الغُرفة بشجاعة.

الخدم مخلوقون للخدمة، هكذا أفهمتها والدتها في الدقائق المعدودة المحسوبة اللاتي تقضيانها سويًا ــ يوميًا، وأحيانًا بالصُدفة.
الخدم مسؤلون عنها، هكذا أخبرتها مُربيتها بامتعاض ذاتِ ليلة... لقد رأت مُربيتها اليوم، وهي تركُل جُثتيّ والدتها ووالدها الأسياد، رأتها تُغادر المدفن، تدهس الجُثث بأقدامٍ انتعلت حذاء والدتهِا السيدة، رأت مُربيتها تصرُخ مُحتفلةً، وزجاجة خمر في يدها ــ تستلِذ.


"وقت الوحدة، تعرفين غُرفتك، تُدركين مقعدك، تضغطين الزر... الزر هو الحل."
كان لديها زرٌ خفيّ في الغُرفة، أخبرتها والدها أنه يُسبب المطر، والمطر يغسل العرق، والعرق رائحته كريهة ــ رائحة الخدم عرق، العرق كريه ــ العرق يلزمه مطرًا لتطهير الرائحة.

ضغطت الزر في الغُرفة المُصممة خصيصًا لحمايتها، ثم صعدت إلى مقعدها... أتاحت لها نافذتها مُشاهدة رائعة للمنظر، والمطر يتساقط في الخارج ــ صفقت بمرح، واحتضنت آلتها الوترية بأُلفة.
لو حاول أحدًا أن ياتي إليه من الخارج، ستمنعه النافذة... ومن الداخل، لن يُدرك الباب المخصوص، المُعلّق.

نظرت أرضًا من فوق المقعد لتُبصر رُسغ والدتِها، عرفته من الخاتم الضخم المُتلألئ... لطالما أرادت هذا الخاتم، كان ليكون عليها أسورةً... تُريد الخاتم، تمُد ذراعيها القُصر عساها تحصُل عليه، تفشل فتتركه ــ تلعب، تعزِف، تلعب وتعزِف في المقعد ــ في الغُرفة.

هي الآن غير مُنتبهة للنيران على الجانب الآخر من النافذة، هي بالتأكيد لا تشُم رائحة الاحتراق، فغُرفتها مخصوصة ــ معزولة.



لمّا لم تُدرك الخاتم أو الرُسغ المبتور أرضًا، باغتتها رغبة جامحة في العودة لاحتفالاتهم... أخذت تعزِف على آلتها، في محاولة يائسة لتذكُر ألحان رقصاتهم العارية.

الخدم لا يحتفلون، البارود للقتل لا للاحتفال، والمطر ليس بمطر ــ البارود يُشعِل المطر الزائف، والخدم يحترقون ــ الأسياد يعيشون، ويموتون مُنتصرين.



طارق نادر
فبراير 2012

3 comments:

  1. WELCOME back T ^^ !
    I'm speechless ! :|
    فعلاً...لا أسكت الله لك قلماً
    =)))))))

    ReplyDelete
  2. You have mixed between a simple idea and a mysterious style and this will take you to a higher level isA . I loved the way you expressed the ironic reality and you know it's one of my favourite styles الأسياد يعيشون، ويموتون مُنتصرين , this is deep and powerful like always :)

    ReplyDelete
  3. فلسفية شوية ياطارق عايزة استفسر منك فيها على شوية حاجات ..عجبنى جدا اخر سطرين

    ReplyDelete