Thursday, December 29, 2011

مسرحية: مـزيـكـا... كـمانـجـة !

* الشخصيات/ (فتاة الكمان، صاحب الحفل، المايسترو، شريكة المايسترو، ذات الفُستان المُرقع، شاب الطربوش، أفضل راقصة، شاب 1، شاب 2، شاب 3، فتاة 1، فتاة 2)

(يكشف الستار عن اثنى عشر شخصًا مُتراصين على خشبة المسرح، في مكانٍ يبدو عليه من قطع الأثاث والإضاءة الخافتة أنه ساحة للرقص...  تزداد إضاءة المسرح قليلاً، بدرجة لا تُتيح سوى كشف الأوجه، يتضح أن الجميع قد وضع الأقنعة كأنهم في حفلة تنكُرية...)

أحد الشباب (يتحسس طربوشًا على رأسه): "حفلة باشاوات..."
شاب 1 (يهمِس): "سيمفونية..."

إحدى الفتيات (تُلوّح بآلة موسيقية غير واضحة): "مزيكا، كمانجة..."
شاب الطربوش: "ولاد ذوات... تنكُرية!"

فتاة الكمان (بحدة): "مزيكا، كمانجة..."
شاب الطربوش: "تنكُرية، ماسكــات..."

فتاة الكمان (تصرُخ): "مزيكا، كمانجة..."
شاب 1: "سيمفونية، ورقصة!"

(إضاءة قوية، وصوت موسيقى كلاسيكية في الخلفية... يتراص الحضور بشكل مُنظم، ستة شباب في مواجهة ست فتيات، الجميع يضع الأقنعة التنكرية مُختلفة الأوجه.
يرتدي البعض ملابسًا اعتيادية لا تتفق وطبيعة الحفل، وتتنوع ملابس الآخرين ما بين المُميزة ذات الألوان الفاقعة، وبذلاتٍ رسمية، وفساتين للسهرة ـ يُلوح أحد الشباب بيديه مع الموسيقى، كأنه قائدُ الأوركسترا...)

المايسترو (يضرب الهواء بيديه): "واحد، اتنين... واحد، اتنين، واحد... (يصمُت للحظة)... اتنين"

(يبدأ الجميع في الرقص مع الموسيقى وعدات الشاب مُفتعل شخصية المايسترو، بينما لا يُشاركهم هو الرقصة ـ تنظُر له شريكته في الرقص بغضب)

الجموع الراقصة (تتخبط): "آسف، آسف... آسفة، آسف... آسفة، آسف... آسف، آسفة... آسفة"

فتاة 1 (تُصيح): "رجلي... دهستها!"

صاحب الحفل (لشريكتِه): "هو ده اللي بتعرفي ترقُصي... قالّك أفضل راقصة في البلد!"

أفضل راقصة: "آسفة... مش شايفة..."

شاب 2 (يعتذِر لشريكته): "آسف... مخدتش بالي، مش شايف!"

أفضل راقصة (تُكرر): "مش شايفة..."

شاب الطربوش: "حفلة ندم."

(تتحرك فتاة الكمان بعيدًا عن شريكها وتلتف حول المايسترو... تنظُر لها شريكته غاضبة...)

فتاة الكمان: "مزيكا، كمانجة... رقصة، رقصة"

المايسترو: "نعيد تاني... واحد، اتنين... خطوة، اتنين... ابعد، اهرب، اخبط.، اضرب..."

(تتخبط الجموع من جديد، يختلط شُركاء الرقص...)

الجموع الراقصة (تعتذِر): "آسف، آسف... آسفة، آسف... آسفة، آسف... آسف، آسفة... آسفة"

فتاة 1: "فيه مُشكلة."

شاب 1: "مع إن الرقصة محفوظة كويس... فين المُشكلة؟!"

شاب 2: "الإضاءة هي المُشكلة..."

شريكة المايسترو: "أو شخص هو المُشكلة..."

شاب 2: "لأ لأ... الإضاءة هي المُشكلة..."

فتاة 2: "مفيش نور كفاية..."

فتاة 1: "الرقص في العتمة... يكعبِل!"

صاحب الحفل (يُصيح): "إضاءة... أنوار!"

(يُضاء المسرح إضاءة قوية، تكشف عن ساحة الرقص بأكملها، والضيوف وصاحب الحفل ـ إحدى الفتيات ترتدي رداءًا مُرقعًا بقطعٍ بلاستيكية تُشبه القناع على وجهها تمامًا...)

المايسترو: "الأنوار موجودة، مش عاطلة... حجتكم باطلة... ارقصوا الرقصة..."

(يتخبط الجميع مُجددًا، هذه المرة يسقُط البعض أرضًا... تسقُط أفضل راقصة بقوة)

صاحب الحفل: "أفضل راقصة... قالّك!"

أفضل راقصة (تُبرر): "فيه مُشكلة... الأرض بتزحلق..."

صاحب الحفل: "كِفايانا حجج فارغة..."

شاب 3: "فيه مُشكلة... لسه مش شايفين..."

صاحب الحفل: "أنا قُلت النور يزيد..."

شاب 2: "زيّ ما إحنا... مش شايفين، بنخبط، بنخرّب في الرقصة!"

فتاة 2: "يمكِن المُشكلة في الوشوش اللي مركبينها... يمكِن فتحة عينيها ضيقة على الضوء!"

المايسترو (بغضب): "إنجاز... حركة... أسرع... نُرقص... (يُحدّق بشريكته التي عقدت ذراعيها)... حتفضلي تبحلقي فيّا لحد امتى... (لا ترُد فيلكزها بقبضتِه)... انتِ، رُدي عليّا..."

شريكة المايسترو (بصدمة): "انت هنا؟!... افتكرتك بعيد، سايبني أرقص لوحدي... مش شايفاك..."

الجموع (تهتف مُشيرةً إليها): "هيّ كمان مش شايفة..."

شاب الطربوش: "حفلة مش قد المقام... شيل القناع!"

شاب 1: "سيمفونية... حتهدى!"

صاحب الحفل: "شيل القناع!"

فتاة الكمان (تهرول بين الجموع): "والمزيكا؟... والكمانجة؟!"

(يخلع الجميع أقنعتهم، عدا فتاة الكمانجة والمايسترو... يتضح أن الجميع قد أخفى عينيه بضمادات قُماشية مُخضبة بالدم عدا الفتاة ذات الفُستان المُرقع... يتضح أن الجميع لا يستطيع الرؤية عداها.
يُلقي الجمع بالأقنعة، بينما تضع فتاة الكمان آلتِها أرضًا، وتكتفي بمسك وتر الكمان وحسب... تتحرك بجنون)

فتاة الكمان: "والمزيكا... الكمانجة؟!"

(يرقُص الجميع رقصة غاضبة، دون مُشاركة فتاة الكمان والمايسترو... يُحركون أياديهم بغضب، يلوحون بها أمام أعينهم المُكفنة...)

فتاة الكمان (تُكرر): "المزيكا... الكمانجة؟!"

فتاة 1: "وتر الكمانجة يعزِف على ايديكي العريانة... من غير كمانجة..."

شاب 1: "صوت الكمانجة، صوت أنين، صوت ألم من كُتر الحك..."

شاب 2: "وتر الكمانجة يُخرم دماغك..."

فتاة 2: "يوصِل ما بين ودانك!"

شاب 3: "وتر الكمانجة حينحت في محاجر عينيك..."

صاحب الحفل: "الحفلة خِربت، الرقصة اتشوهت!"

شاب الطربوش: "دي حفلة فقر، حفلة خدعة."

صاحب الحفل: "شيل القناع..."

المايسترو (يهمِس): "ارقص بخفة!"

(يرقص الجميع بحُرية، تتخللهم حركات بهلوانية من فتاة الكمان... يبتعد المايسترو في أحد الأركان... يتخبط الجميع بقوة، لكنهم لا يكترثون... يبدأون في التصفيق لأفضل راقصة ـ تستمر الرقصة حتى يتمكنوا من الالتفاف حول فتاة الكمان...)

شاب 2 (مُشيرًا إليها): "هي المُذنبة..."

أفضل راقصة: "وتر الكمانجة لازم يتعدِم، يتكسِر..."

فتاة الكمان (تستغيث): "بريئة... بريئة..."

صاحب الحفل: "العزف واجب في الليالي الراقصة..."

الجموع (تهتف): "مُذنبة!"

فتاة الكمان: "انتم ايه اللّي خلاكم ترموا وشوشكم أدام الكمانجة ــ أغبيا... دي حتى المزيكا بتتسمع... بتتسمع!"

شاب الطربوش: "حفلة أغبيا!"

الجموع: "مُذنبة..."

صاحب الحفل (يقترب منها بتخبُط): "سيبوها، كصاحب الحفل... أغفر لها، أقر إنها بريئة... اخرُجي، اهربي... اعزفي!"

أفضل راقصة: "فيه شهود على كونها مُذنبة..."

صاحب الحفل: "فين الشهود..."

شاب 1: "إحنا الشهود..."

صاحب الحفل: "الشهود صابهم العمى..."

شاب الطربوش: "حفلة عمى!"

صاحب الحفل: "كصاحب الحفل، أقرّ إنها بريئة... كصاحب الحفل، آمركم تودعوها..."

شاب 1 (يقترب من فتاة الكمان، ويهتف في أذنيها): "الرقصة دي مخصوصة ليكي... خلّيكي تحت، شوفي رجول العُميّ بتخبط في بعض!"

(ينضم الجميع في رقصة موحدة تتحرك كموكب حول فتاة الكمان القابعة أرضًا...)

فتاة الكمان (تلطُم): "المزيكا... الكمانجة ــ بريئة، ح أفِرّ."

المايسترو (مُشيرًا لفتاة الكمان): "جابوني الحفلة على غفلة مني... حاسيب الحفلة معاها وأفِرّ."
شاب الطربوش: "حفلة ذنوب... حفلة هروب."

(تضحك الفتاة ذات الفُستان المُرقع، تُجلجل ضحكتِها مع الموسيقى الدائرة... تتوقف الرقصة مُنتبهةً إليها...)

ذات الفُستان المُرقع (تصطدم بضيوف الحفل): "آسفة... لمؤخذة..."

شاب 3 (يسألها): "انتِ كمان مش شايفة؟!"

فتاة 2 (تقترب منها): "كُلنا زيّك... (تتحسس وجهها)... عينيكي، عينيكي بخير... منورين!"

ذات الفُستان المُرقع: "كُل اللي هاممكم العيون اللي راحت؟... فيه حاجات كتير أغلى بتروح..."

فتاة 1: "محتاجين نشوف علشان نتِم الرقصة..."

أفضل راقصة: "علشان تكوني سيدة الحفلة، أحسن جزمة بترقُص على الخشبة"

ذات الفُستان المُرقع: "حتسيبوا مُرتكبة الجريمة تروح؟... حتسيبوها تهرب من الحفلة بريئة من غير ذنوب، كما أُنزلَت؟!"

شريكة المايسترو: "دي أرخص من إننا نهتم..."

شاب 2: "خليها تروح..."

ذات الفُستان المُرقع: "سامعين المزيكا في الخلفية؟!..."

فتاة الكمان (تهمِس): "مزيكا... كمانجة... (تضحك)"

ذات الفُستان المُرقع: "سامعين المزيكا في الخلفية؟!... الأوركسترا كُلها كانت في يوم مُذنبة، وأخلوا سبيلهم... كأن شيئًا لم يكُن... المايسترو الواقف في مكان ما قُريب من هنا، بيقود معزوفة هلاكنا، وبراءة واحدة زيّها من الذنب... هي كمان حتنضم، هي أغلى من إنها تروح، هي تمن عيونكم اللي راحت وحزنانين عليها!"

شاب 1: "الحُكم أقوى مننا..."

صاحب الحفل: "قالّك المُتهم برئ، حتى مع ثبوت إدانته... أصل المُتهم تبعنا، وبتاعنا!"

شاب 2: "الحُكم أقوى مننا..."

شاب الطربوش: "الحُكم حفلة، الحُكم رقصة... الرقصة فاشلة، والحفلة عار."

(يتمايل الجميع بحركاتٍ تخلو من الحياة... تضحك فتاة الكمان، بينما يبتسم المايسترو ابتسامة خبيئثة...)

ذات الفُستان المُرقع: " مزيكا، كمانجة، رقصة، سيمفونية، دلع، نور، إضاءة، حفلة... زعلانين ع اللي راح... اللي راح مني أكبر... شُفتم فستاني... جميل... مُناسب، الحفلة تنكرية، ماسكات، وشوش بتخفي وتداري... شُفتم فُستاني، مش شايفين؟!... حِسوا فُستاني..."

(يقترب الجميع منها في محاولة لتحسس فُستانِها المُرقع...)

فتاة 1: "تطريز؟!"

ذات الفُستان المُرقع: "تنغيز..."

شاب 3: "بُقع؟!"

ذات الفُستان المُرقع: "رُقع!"

صاحب الحفل: "شياكة؟!

ذات الفُستان المُرقع: "تقطيع من كُتر الجرّ على ساحة الرقص... شلتم القناع؟!"

الجموع (ترُد): "شِلناه..."

ذات الفُستان المُرقع: "كشفتوا العيون؟!"

الجموع (ترُد): "العيون ملهاش القُدرة ع الشوَفان..."

ذات الفُستان المُرقع: "فُستاني المترقع مترقع بحِتت من الوشوش... لو شِلت الوشوش، فيه كتير حينكشِف... اللي راح مني كان أغلى م العيون، اللي راح ملهوشِ عودة، ملهوشِ حفلة... اللي راح ده له زفّة، والزفة زفة خيبة، زفة اللي شايفين وساكتين على حالنا..."

شاب 1: "الرقصة الجاية مخصوصة ليكي..."

شاب 2: "آسفين..."

شاب 3: "حنعيش في ندم..."

فتاة 2: "العيون اللي راحت ذنب السكوت..."

أفضل راقصة: "الرقصة الجاية مخصوصة ليكي.... خلّيكي..."

شريكة المايسترو: "خلّي فُستانِك عليكي."

شاب الطربوش (يخلع الطربوش): "سيمفونية... حفلة فيها المظلوم اتعدم!"

صاحب الحفلة (يُصيح): "إظلام، عتمة..."

(تخفُت إضاءة المسرح تدريجيًا...)

فتاة 1: "الرقص في العتمة... ستر."

الجموع: "الرقصة الجاية مخصوصة ليكي... خلّي فُستانِك عليكي."

المايسترو (يُلوّح): "نبدأ تاني... واحد اتنين... خطوة يمين، عين في شمال... خطوة يمين، رُقعة شمال."

فتاة الكمان (تُغادر): "مزيكا، كمانجة... مزيكا، كمانجة."

المايسترو: "سلامي لكُل واحد في الأوركسترا... بوسة يمين، وبوسة شمال..."

فتاة الكمان (تُغمغم): "مزيكا... كمانجة."

(ينضم الجميع في رقصة أخيرة... هذه المرة دون تخبُط)



ســتـار

طارق نادر
29 ديسمبر 2011 


Thursday, December 1, 2011

(مسرحية): كُرسـي وكـنبة !


-1-
(يُفتح الستار ليكشِف عن غُرفة معيشة بسيطة الطراز، تحوي أريكة جلدية (كنبة) وكُرسي خشبيّ قديم... يدخُل إلى الغُرفة شاب يافع، يتردد قليلاً قبل الحديث مع الأريكة (الكنبة) والكُرسي... يصدُر عن الكنبة صوتًا أنثويًا، وعن الكُرسي صوت غليظ لرجُل)

الشاب: "أنا نازِل"
الكُرسي (يسأله): "تتمشى؟"
الشاب (يتردد): "آ آ.. حاتمشى"
الكنبة: "كداب... انت رايح تتظاهِر"
الشاب: "لا عيب ولا حرام"
الكُرسي: "متنزلش..."
الشاب: "اقنعني..."
الكنبة: "الجو حر!"
الكُرسي (يأزّ): "يا ولية... إحنا في الشتا"
الكنبة (تستطرِد): "الجوّ برد... مطرة وبرد"
الشاب: "اخترعوا الشمسية علشان المطر."
الكُرسي: "الشمسية حتحمي دماغِك... لكن صدرك مكشوف"
الشاب: "وايه اللي فيها؟!"
الكُرسي: "تاخد لك هِتاف كده ولا كده... صدرك حيشخشخ."
الكنبة: "أو رصاصة كده ولا كده.."
الكُرسي: "حتموت!"
الشاب: "امنعني!"
الكنبة: "معندناش بنات تنزل مُظاهرات..."
الكُرسي (يهتز): "يا ولية... ده الواد ابنك"
الكنبة: "معندناش لا ولاد ولا بنات ينزلوا مُظاهرات."

(أصوات قادمة من الخارج، لجموع تهتِف وتُصفق بحماسة)

الجموع: "حُرية..." –تصفيق- "حُرية..." –تصفيق- "حُرية..."

الشاب: "هو انتم ايه لا ترحموا ولا تسيبوا رحمة ربنا تنزِل... أنا نازِل أتظاهر وأهتف."

(يهُم الشاب بمُغادرة الغُرفة... تحدُث أصوات دربكة، وصوت سُعال)
 

الكُرسي: "الحق أمك يا واد... بتفرفر، هات لها شوية مخدات وشِلّت"
الكنبة: "الحــ... الحق أبوك... اسنده"

(يهرُع الشاب خارج المشهد، ثم يعود وقد جلب معه بعض الوسائد للكنبة، ثم ينحني سريعًا ليزّج بقطعة ورق أسفل أحد أرجل الكُرسي الخشبي)

الشاب: "أنا نازِل."
الكنبة: "قبل ما تنزِل، روح هات أختك من جوا... اهي تقعد معانا، نتونِس بيها"

(يُغادِر المشهد، ويعود بعد ثوانٍ، ومعه كُرسيّ مُطرز بلا ظهر... يضعه برفق بجانب الكنبة والكُرسي الخشب... ثُم يُغادِر الشاب دون رجعة.)

الكُرسي عديم الظهر (بصوت أنثوي حاد): "هو نازِل؟"
الكُرسي الخشبي: "نازِل القهوة..."
الكنبة: "رايح يقعد مع عمه"
الكُرسي الخشبيّ: "يا ولية... اسمها رايح يُقعد على عمه."

(تعلو أصوات الهتافات والتصفيق في الخارج، في سبيل الحُرية)

*****************

-2-
 (يظهر مجموعة من المُتظاهرين في جانب المسرح، يبتعهم ظهور سيدتين من إحدى النوافذ في الخلفية، وتُزغرِد إحدي السيدتين... يُشير إليهما من في الجمع فرحين ومُستمرين في الهتاف)

السيدة الأولى: "قرف، دوشة، المُظاهرات دي يا ختي... كانوا كُل –أزبوع-، بقوا كُل يوم"

السيدة الثانية: "خلّيهم يفرحوا... ما الحُرية أصلها تِكية"

الأولى: "متعرفيش مين الصح ومين الغلط في البلد دي!"

الثانية: "أزمة وربنا أزمة... هي دي السياسة، لعبة –ديرتي-، وربنا مفيش مسحوق غسيل بيحوّق فيها"

(تضحك السيدتان، مُشيرتيْن للجموع المُتظاهرة في الأسفل)

الثانية: "إلا قولي لي يا ختي، انتي قلبك رايد ايه؟!... عاوزاها بلدية ولا عُمودية؟!"

الأولى (تُفكر): "أنا يا ختي بقى عاوزاها ملكية... يكون عندنا –كاوين-، وتكون بنت ناس ومن عيلة، وحسب ونسب."

الثانية: "يا ست... الملكية دي كانت زمان، ومنعوها... حاجة حمضانة كداهو..."

الأولى: "ياختي فكري كويس... ده إحنا حنعيش في ميغة، ويا سلام لمّا ييجي اليوم اللي الملكة تعمل فيه فرح ابنها ولا حفيدها... زي فرح اسمهم ايه –ويليام- و-كايتي-."

الثانية (تتخيل): "والبلد كُلها تتذوق وتدلّع، وننزل نزف الأمير والأميرة"

الأولى: "ونقضوها صقف وزغاريد..."

الثانية: "وولاد الملوك دول... بيتجوزوا عند مأذون برضه؟!"

الأولى: "أُمال... بيكتبوا الكتاب... حاجة حلال!"

الثانية: "ويعيشوا في تبات ونبات"

الأولى: "ويخلفوا صُبيان وبنات."

(تُزغرِد السيدتان... بينما تعلو أصوات الهِتافات)
*****************

-3-
(يتقدم رجلان للجلوس على الكُرسي والكنبة في المشهد)

رجُل 1: "يعني انتم البلد على ايديكم، حيكون لونها بمبي؟!"
رجُل 2: "بعون الله... هي دي الحُرية"

رجُل 1 (يسأله): "البمبي؟!"
رجُل 2: "حنلوّن حياة الناس بكُل الألوان... ألوان ناصعة، مزهزهة... والخير حيعُم"

رجُل 1: "وربنا انتم باين عليكم فنانين... زيّي كده."
رجُل 2: "انت فنان؟!"

رجُل 1: "فنان آه... إلا قولّي، انتم حتلونوا حياة الناس بألوان ايه؟... زيت؟... جواش؟... فلوماستر؟!"
رجُل 2: "ألواننا بتُبرق... ألوان جاز!"

رجُل 1: "بُص يا صاحبي، أنا كان بِوّدي أنضم للمُكنة بتاعتكم... بس للأسف مياكُلش معايا"
رجُل 2: "ليه؟... انت مش بتقول إنك فنان... إحنا وانت واحد، لوّن معانا البلد بالخير."

رجُل 1: "أنا فنان بس من نوع آخر... ولمؤخذة، مش بعيد إن المُكنة بتاعتكم تضلمها على المُكنة بتاعتنا..."
رجُل 2: "فنان من نوع آخر ازاي؟!"

رجُل 1: "أنا رسّام..."
رجُل 2: "مش عيب... إن الله جميلٌ يُحب الجمال"

رجُل 1: "بارسّم عالناس"
رجُل 2: "بتزاوِلهم يعني؟!"

رجُل 1: "يا جدع لأ... بارسم عليهم... بادُق وشم... –تاتووه-"

(ينظُر له الرجل الثاني مصدومًا... ثُم يتجاهله تمامًا وينفرد هو بالحديث)

رجُل 2: "بعون الله... حنلّون حياة الناس بكُل الألوان، ألوان ناصعة، مزهزهة... والخير حيعُم."

(أصوات هتاف المُتظاهرين... تعلو وتُنادي بالحُرية...)
*****************

-4-
(يخرُج شابًا وفتاة عن مسيرة المُظاهرة... يتقدمان نحو الجانب الآخر من المسرح... حيث يقف رجل كبير السن (شيخ) أمام يافطة مُعلقة لمحل يبيع الخردوات)

الشاب: "سلام عليكم يا حج..."
الفتاة: "عاوزين نـــ ...."

الشيخ (بفزع): "هِش.. هِش... ابعدوا، ابعدوا!"

(يتلفت الاثنان لمعرفة سبب فزع الشيخ، دون العثور على شيء يُثير الريبة...)

الشاب: "فيه ايه؟!"
الشيخ: "بقولكم ابعدوا... مش شايفين المُظاهرة... عاوز ألّم المحل قبل ما ييجوا..."

الفتاة: "عاوزين نشتروا..."
الشيخ: "بسرعة... ادخلوا شوفوا عاوزين ايه..."

 (يهُم الاثنان بدخول المحل... فيمنعهما الشيخ...)

الشيخ: "ولا أقولكم... متدخلوش... عاوزين ايه وأجيبه لكم بسرعة..."
الفتاة: "عندك كرامة يا حج؟!"

الشيخ: "ايه... بتقولي ايه... قصدِك ايه يعني؟!"
الفتاة: "بقولّك عندك كرامة... عاوزة أشتري كرامة... فيه ناس كتير محتاجينها..."

الشيخ: "ايه كرامة دي؟!"
الشاب: "متاخدش في بالك... إلا انت خايف من المُظاهرة ليه؟!"

الشيخ: "بيدخلوا المحِل وياخدوا منه حاجات... حُرمِت عليهم عيشتهم.."
الشاب: "يا حج دي المُظاهرة كُلها طلبة... وماشيين في حالهم..."

الشيخ (بحِدة): "كُلهم ولاد كلب!"
الفتاة (تشهق): "مش سامعهم بيقولوا سلمية... بيقولوا حُرية..."

الشيخ: "برضه ولاد كلب... وقفوا حالنا، الله يحرقهم..."

(يبدأ الشيخ في ترتيب الأغراض أمام المحِل)

الشيخ: "حتشتروا حاجة... ولا ترجعوا بيوتكم قبل المُظاهرة ما تاكُلكم..."
الفتاة: "ما انت مردتش يا حج... عندك كرامة ولا لأ؟!"
الشيخ: "لا يا بنتي... لسه خالصة وربنا..."

الشاب: "قصدك خالصة من زمان"
الفتاة: "دي لو كانت أصلاً في يوم اتوجدت."

الشيخ: "هِش.. هِش... ابعدوا... دول قربوا من هنا."

(تقترب الجموع الهاتفة، لكنها تتحرك بعيدًا عن رُكن الشيخ... تجلس الجموع حول الكُرسي والكنبة...)
 *****************

-5-
(يفزع الرجُل الثاني –رجُل الألوان- الجالس على الكنبة، مع انضمام أفراد الجموع وجلستهم حول الكنبة والكُرسي الخشب... فيقفز ويتربع في جلستِه.
تُصفق السيدتان في النافذة مع جموع المُتظاهرين.)

رجُل 2: "هو فيه ايه يا جدع؟!... ايه كُل الناس دول؟!"

السيدة الأولى (تُنادي): "يا ست كنبة... ايه كُل الناس اللي عندك في البيت؟... ضيوف؟!"

الكنبة: "يا لهوي... أشرار... الحق بيتك يا راجل..."

الكُرسي: "يا ولية... ما تلحقيه انتي!"

مُتظاهر 1: "ما تقوم أنزل معانا يا حج... أنزل واهتف..."

الكُرسي: "وأنزِل ليه... وأنا قاعد مستريح"

مُتظاهر 2: "قاعد على أربعة..."

الكنبة: "إحنا خايفين عليكم..."

مُتظاهر 1: "ومش خايفين على حالكم؟..."

الكنبة: "ما هو انتم حالنا... انتم اللي تهمونا..."

مُتظاهر 2: "لحد امتى المفروض نقعد مبطوطين جنبكم... لحد ما نكون زيّكم من خشب!"

الكُرسي: "انتم أصلا عاوزين ايه؟! .. بتهتفوا ضد ايه؟!... مش خلاص... شيخ البلد سابها وخد معاه الولد؟!"

مُتظاهر 2 (بعصبية): "بنهتف ضد الجهل... ضد الغبا."

رجُل 2: "يا زميلي... خُد الأمور بهداوة... والخير بعون الله حيعُم..."

السيدة الثانية (تُصيح): "إلا قول لي يا أخويا... هو مين اللي كسبان؟... كام كام؟!"

رجُل 1: "ايه ده... هو مين بيلعب؟!"

السيدة الثانية: "يوه... هو مش انتم ملمومين كده بتتفرجوا عالماتش؟!"

(يقذف الشيخ بعض الأوراق والقمامة على الجموع في غُرفة المعيشة...)

رجُل 1: "يا والدي... النضافة من الإيمان..."

الشيخ: "كُلكم ولاد كلب..."

مُتظاهر 1: "حتتحركوا امتى؟!"

الكنبة: "ونتحركوا ليه؟!"

مُتظاهر 1: "لمّا نقولك إن ابنك اللي نزل مات بالصٌدفة ؟!"

الكُرسي: "القعدة مُريحة..."

مُتظاهر 2: "عندك حق."

(تنهض الجموع... وتجلس على الكنبة والكُرسي.. ويستند البعض على الأطراف... بحيث يتوسط الرجل الثاني الجموع الجالسة... يتأوه الكُرسي، وتولول الكنبة...)

مُتظاهر 1: "القعدة مُريحة... عالكنبة... عالكُرسي"

الجموع (تهتف): "حُرية..." –تصفيق- "حُرية..." –تصفيق- "حُرية..."

رجُل 2: "بعون الله... الخير حيعُم."

رجُل 1 (يعرض عليه): "أرسم لك –تاتووه ؟!"

(تُزغرد السيدتان في النافذة)


سِـتــار



طارق نادر
نوفمبر/ ديسمبر
2011